هل الهوى محمود أم مذموم؟

هل الهوى محمود أم مذموم؟
هل تعلم يا قارئي العزيز ما معنى الهوى؟
إن هوى الإنسان هو ما تميل إليه نفسه وترغب فيه، ونستطيع أن نقول إن الهوى -كما يُطلق عليه العامة- هو المزاج، فقد يهوى الإنسان العلم أو الاستكشاف أو العطاء أو مساعدة المحتاجين وهكذا وذلك هو الإنسان الذي تسامى بنفسه، وقد يهوى الشهرة والمديح والثناء عليه أو شرب الخمر أو الغيبة والنميمة وإثارة الفتن، وما إلى ذلك وهي أمور من المهلكات.
إذن، فليس الهوى بمذمومٍ على الإطلاق.
والقوة ليست في انعدام الرغبة أو الهوى ولكن في مغالبته بترويض النفس على ما يوافقُ رسالة الخالق للمخلوق وهو به أدرى، فمن انتصر على نفسه لم يبق شيئًا يضعف على مغالبته.
إذا تساءلت يا قارئي العزيز لو أن الأمر كان كذلك فما معنى قوله تعالى في سورة النازعات: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٤١﴾؟
سأجيبك بأن المراد من الآية الكريمة هو ألا تبادر بطاعة هواك عندما يلح عليك بل إن عليك التفكر فيه وهذه فرصة سانحة للحديث مع النفس وتبين سرائرها وموازنة الهوى وفق رضا الله، فإذا كان محمودًا أطاعه وإذا كان مذمومًا نهى النفس عنه ولا ينهى النفس عن الهوى إلا من خاف مقام ربه فتكون له الجنة هي المأوى.
إذن، فالمشكلة ليست في الهوى على إطلاقه بل في اتباع شره وغلبته على النفس الأمارة بالسوء. والذين يخشون الله سرعان ما ينتبهون لوساوس الشيطان كما يقول تعالى في سورة الأعراف:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴿٢٠١﴾
والقوة ليست في انعدام الرغبة أو الهوى ولكن في مغالبته بترويض النفس على ما يوافقُ رسالة الخالق للمخلوق وهو به أدرى، فمن انتصر على نفسه لم يبق شيئًا يضعف على مغالبته.
وفي مقدرة الإنسان تغيير نفسه إذا أراد. يقول، تعالى في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾
فمن عجائب قدرة الله حقيقة النفس الإنسانية واستعدادها الفطري ودور الإنسان في توجيه نفسه ومسئوليته في مصيرها، فقد خلق الله الإنسان بطبيعة مزدوجة، فالإنسان على استعداد للخير والشر على حد سواء، والهدى والضلال، وهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر؛ كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر على حد سواء.
من رحمة الله بالإنسان أن لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف ولكن لم يتركه لنفسه فأعانه برسالاته لتضع له الموازين الثابتة الدقيقة فتكشفَ له دلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو ظلمات الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة
وإلى جانب هذا الاستعداد الفطري الكامن قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها وتغليبه على استعداده لارتكاب الشر فقد أفلح ومن أضعف هذه القوة فقد خاب.
فثمة مسئولية - إذن - مترتبة على منح الإنسان هذه القوة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه أي توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للجنوح إلى فعل الخير أو اجتراح الشر على حد سواء، وهذه هي الحرية التي يتمتع بها الإنسان وحده عن سائر المخلوقات.
ومن رحمة الله بالإنسان أن لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف ولكن لم يتركه لنفسه فأعانه برسالاته لتضع له الموازين الثابتة الدقيقة فتكشفَ له دلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو ظلمات الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة وبذلك يتضح له الطريق، ويعلم أن قدر الله فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه.
وقد قال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وهي مسئولية ثقيلة تُشعر الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى موازين الخالق الثابتة ليبقى على يقين من أن هواه لم يخدعه أو يضلله كي لا يسوقَه إلى المهلكة.
ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».


