ماذا علمتني الأعمال المنزلية ؟

ماذا علمتني الأعمال المنزلية ؟
التحقتُ فور تخرجي في الجامعة بدورة تدريبية مكثفة بعنوان «اكتساب المهارات الأساسية للعمل»، وكان هدفها الإعداد لسوق العمل. وكان من شروط القبول فيها اجتياز اختبار ومقابلة شخصية.
وأذكر أنه كان من أسئلة الاختبار: "اذكر آخر إنجازاتك."
وجاءت إجابتي: "إعادة ترتيب وتنظيف كل شبر في منزلنا."
ولما ناقشتني من أجرت معي المقابلة في إجابتي، رحت أشرح لها أنني أعتبر ما فعلته في المنزل إنجازًا كبيرًا؛ عظيم الجهد والأثر، إذ كنت ألمس أن النظافة والنظام ييسران بقية المهام التي تتطلبها الحياة.
ابتسمتْ إعجابًا باقتناعي بما قلت، وقُبلتُ في الدورة التي كانت بمثابة معسكر تدريبي من الدرجة الأولى، استمرت أربعة أشهر، وكان لها عظيم الأثر في حياتي المهنية.
تجربتي مع المطبخ
وتحضرني هنا تجربتي الممتدة منذ الطفولة مع المطبخ على وجه الخصوص؛ إذ كنت أهوى تنظيفه إلى درجة الشعور بسعادة عميقة وأنا أنظفه، ربما لأن الوقوف فيه كان يوفر لي الهدوء والسكينة والتأمل والتركيز، وهي أمور محببة إليَّ.
وفي المطبخ ارتقت روحي؛ فكنت أستمتع بالإنصات إلى القرآن الكريم، وفيه أيضًا تكوَّنت أغلب أفكاري وأنا أطلق العنان لخيالي أثناء غسل الأطباق، كما تشكَّل فيه وجداني وأنا أستمع إلى أروع البرامج الإذاعية في إذاعة بي بي سي عربي وغيرها من المحطات الإذاعية، وفي المطبخ أيضًا نمت لغتي الإنجليزية من خلال حلقات تعليم الإنجليزية بالراديو.
لذلك، عندما أتأمل حالي، أو يلمس أحدٌ فيَّ صفةً من قبيل الصبر والمثابرة والالتزام والمسؤولية، أرجع كثيرًا من هذه الصفات إلى مشاركتي في الأعمال المنزلية منذ الصغر، حتى أتقنتها، وصار من أمنياتي يومًا ما أن أقدم دورات تدريبية فيها.
دراسة عن الأعمال المنزلية للأطفال
واليوم وجدت دراسةً تلفت الانتباه إلى جانب آخرَ من أهمية الأعمال المنزلية؛ والتي بحثت في العلاقة بين مشاركة الأطفال في الأعمال المنزلية ووظائفهم التنفيذية، وهي مجموعة من القدرات العقلية التي تساعد الإنسان على التخطيط، وتنظيم سلوكه، وتذكر التوجيهات والإرشادات، والتحكم في الاستجابات، والانتقال من مهمة إلى أخرى.
وشملت الدراسة 207 أطفال تتراوح أعمارهم بين خمس سنوات وثلاث عشرة سنة، ووجد الباحثون أن المشاركة في أعمال الرعاية الذاتية، مثل إعداد الطفل وجبة لنفسه، والأعمال الموجهة نحو الأسرة، مثل إعداد وجبة لشخص آخر، ارتبطت بذاكرة العمل والقدرة على انضباط السلوك.
ولا تعني هذه النتائج أن الأعمال المنزلية وحدها هي التي تصنع هذه القدرات، لكنها تشير إلى احتمال أن تكون المهام المنزلية المناسبة لسنِّ الطفل وسيلة طبيعية لممارسة مهارات تحتاج إليها وظائفه التنفيذية؛ فالطفل حين يرتب أغراضه، أو يعد طعامًا، أو ينظف مكانه، يتعلم في الوقت نفسه التخطيط والانتباه وتنظيم الخطوات وتحمل المسؤولية.
كيفية تشجيع الأطفال على الأعمال المنزلية؟
ولهذا يرى الباحثون أن تشجيع الأطفال على المشاركة في أعمال منزلية مناسبة لأعمارهم وقدراتهم وسيلة مفيدة لدعم نمو هذه المهارات، مع مراعاة اهتمامات الطفل وقدراته عند اختيار المهام.
وكيف يمكن أن نقنع الطفل بالمشاركة في أعمال المنزل؟
يمكننا البدء بإشراكه في أعمال بسيطة منذ الصغر، وتعريفه بنظام معين يتعود عليه تدريجيًا، ثم تتطور مسؤولياته مع نموه. وعلينا أن نقدم له الدعم والمساندة عندما يحتاج إليهما، وأن نصبر على تعليمه، خاصة إذا كان مترددًا أو عنيدًا؛ فتعليمه المهمة الموكلة إليه وإنجازها معه أفضل كثيرًا من الاستسهال والقيام بها نيابة عنه.
والثمرة المرجوة من هذا التعويد ليست إنجاز المهمة فحسب، ولكن تنمية قدراته، وتعويده الاعتماد على نفسه، ومن ثم شعوره بالكفاءة والاعتداد بالنفس.
اكتساب مهارات من الأعمال المنزلية
وثمة أدلة بحثية تشير إلى ارتباط مشاركة الأطفال في الأعمال المنزلية المناسبة لأعمارهم بعدد من المهارات الإيجابية، من بينها:
* المسؤولية والاستقلالية.
* القدرة على تنظيم الوقت والمهام.
* الإحساس بأنه عضو مساهم في الأسرة.
* التعاون ومراعاة احتياجات الآخرين.
* الشعور بالكفاءة والثقة بالنفس.
نتائج دراسة هارفارد
وأما دراسة هارفارد الشهيرة التي امتدت لأكثر من ثمانية عقود، فهي بالفعل من أطول الدراسات الطولية عن حياة الإنسان، وقد بدأت عام 1938، وتوسعت لاحقًا لتشمل أجيالًا من المشاركين وأسرهم. ومن أبرز ما خلصت إليه أن العلاقات الإنسانية الدافئة والمترابطة تتصل اتصالًا وثيقًا بالصحة والسعادة وطول العمر.
ولذلك، فإن مشاركة الطفل في الأعمال المنزلية يمكن أن تكون أكثر من مجرد تعويده على التنظيف والترتيب؛ إنها فرصة لتعليمه المشاركة والعطاء، والشعور بأنه فرد فاعل في أسرته، وأن الحياة لا تقوم على أن يخدمه الآخرون، ولكن على أن يكون نافعًا لمن حوله كذلك.
وأخيرًا، أود أن أقول: أن لو شارك طفلك في الأعمال المنزلية، فإنه يشعر بالكفاءة التي تمنحه الثقة بالنفس. والمشاركة في أعمال المنزل جديرة بتقوية الالتزام لديه، ومن ثم يصير شخصًا يُعتمد عليه.
وهذا، في رأيي، منتهى النجاح في التربية؛ أن تُنشئ إنسانًا يعرف كيف يخدم نفسه، ويعين غيره، ويشعر بقيمته من خلال ما يقدم.
عندها فقط يمكن أن تقول إنك صنعتَ من ابنك مشروعك الناجح بحق.
![]()
لمزيد من الاطلاع:
https://asmaanawar.com/asmaa_blocks/

