يناير 18, 2026

|

بواسطة: asmaa

|

Categories: قلم يفكر

توصيل الرزق مهمتك

أسماء راغب نوار | توصيل الرزق مهمتك

توصيل الرزق مهمتك

قلم يفكر على الماشي (23)

 

عندما ذهبتُ إلى إحدى المصالحِ الحكوميةِ العتيقةِ ذاتِ المبنى المهيبِ في الرابعة بعد الظهر لتسلُّم مستندٍ رسمي كنت قد قمت بإجراءات استخراجه قبلها بثلاثة أيام، بعدما علمت عن طريق الموقع الإلكتروني بأن ثمة فترةً مسائيةً للمصلحةِ تمتد حتى الخامسةِ عصرًا، وحاولت الاتصال هاتفيًّا للتأكد من ذلك لكن مع الأسف لم يرد أحد. فإذا بي أجد الطابقَ الثاني وهو المقصود لحاجتي قد خلا من الموظفين إلا اثنين، ولما طلبتُ من أحدهما المستند رد عليّ باقتضاب الخزينة قفلت، فقلت له: "لكني وجدت على الموقع الإلكتروني أن موعد انتهاء الفترة المسائية في الخامسة"، فرد باستنكار: "إحنا مالنا ومال الموقع! إحنا بنخلص الساعة أربعة والخزنة بتقفل الساعة تلاتة ونص"، فرجوتُه أن يساعدني لضيق وقتي وبُعد المسافة بالنسبة لي، وقلت له: "إنني أريد فقط استلام مستند قد دفعت مصاريف استخراجه وأخرجت له الإيصال"، فصاح: "عم سعيد! عم سعيد!" فلم يرد أحد. فأخذت أنا أنادي على عم سعيد، الذي لا أعرفه، لأنه سيوفر عليّ مشوارًا آخر للاستلام، فإذا بالموظف، الذي لا تهمه مسألتي لكنْ كلُ ما يهمه هو استكمال دفاترِه ومغادرةُ المكان، يقول لي: "انزلي له تحت في الطابق الأول" فهُرعت إلى ما وصف أنادي عليه في مكان خلا من قاصديه، فخرج عليّ موظفٌ آخرُ ليشاركني البحث عنه والنداء عليه بصوت عالٍ. وعرفت منه أن عم سعيد هو المسؤول عن أمن المكان، ولديه ظرفٌ به كلُ مستندات جاهزةٍ للتسليم. فإذا بعم أحمد، الرجلِ رقيقِ الحال الذي يبيع خردوات أمام المصلحة، ينهض مسرعًا ليستفسر عن مسألتي. فأخبرته، فطمأنني وأخذ مني الإيصال وأجلسني وراح يبحث عن عم سعيد في المبنى الضخم.

ولما عاد عم أحمد أبلغني أنه سيصلي العصر ثم ينزل إلينا، وقد أطلعه على الإيصال. فأخذت أفكر كيف أكافئُ عم أحمد على تعبه معي وطمأنتِه إياي، وانتهيتُ إلى إعطائه أُجرةَ المشوارِ لو كررته. وبالفعل سارعتُ إلى مكافأته، فقال لي: "مش لما تستلميه يا فندم" فقلت له: "أنا متشكرة جدًّا لتعبك معايا".

ثم وصل عم سعيد بعد طول انتظار، فهُرعنا إليه لتسلُّم المستند بفارغ الصبر، فإذا به لا يجده، فبدا الوجوم على وجهينا، ولما أخبرتُه بتفاصيلَ عن المستند من قبيل أنه صورةٌ طبقُ الأصلِ وليس استخراجًا جديدًا، تبين أن الصورة تُستخرج فقط بحضور طالبها ليتحمل نفقةَ تصويرِها، فازداد وجومي وعلا وجه عم أحمد شيءٌ من الحرجِ من كونه حظي بأجرةٍ عن مهمةٍ لم تتم، فقلت له: "قدر الله وما شاء فعل، شكرًا جزيلًا يا عم أحمد"، وأنا أقول في نفسي: "سبحان الرزاق الذي أخرجني من بيتي لتوصيل رزق عم أحمد إليه!"

 

"سبحان الرزاق الذي أخرجني من بيتي لتوصيل رزق عم أحمد إليه!"

توصيل الرزق مهمتك,الرزق,ونفسٍ وما سوّاها,الشهوات,النفس,الاستعدادُ لضبط النفس,اللذة الحسية,الروح الإنسانية,النفس البشرية

ونفسٍ وما سوّاها

عندما طلبتُ من ابن أختي ابن التاسعة أن يفتحَ علبة الجُبنِ بالطريقةِ التي تضمنُ إعادةَ إغلاقهِا على النحو الذي يحفظُ ما بها، قائلةً: " لماذا نفتحها بالطريقة الخطأ لو أن في إمكاننا أن نفتحها بالطريقة الصحيحة؟" رد قائلًا: "لأن الطريقة الخطأ هي الأسهل".

أدهشني رده الذي اختزل فيه طبيعة النفس البشرية بميلها الفطريِّ نحو الأسهلِ في اتباع الشهوات المُحببة إلى النفس، لكنَّ في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، وهو الاستعدادُ لضبط النفس ووقفها عند الحد المأمون من مطاوعة الشهوات، وهو ما يضمن حفظهَا من طغيان اللذة الحسية التي لا تدوم على تشوفات الروح الإنسانية وأشواقها إلى متع الأبدية.

لكنَّ في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، وهو الاستعدادُ لضبط النفس ووقفها عند الحد المأمون من مطاوعة الشهوات، وهو ما يضمن حفظهَا من طغيان اللذة الحسية التي لا تدوم على تشوفات الروح الإنسانية وأشواقها إلى متع الأبدية.

توصيل الرزق مهمتك,الرزق,ونفسٍ وما سوّاها,الشهوات,النفس,الاستعدادُ لضبط النفس,اللذة الحسية,الروح الإنسانية,النفس البشرية

لمزيد من الاطلاع:

https://asmaanawar.com/asmaa_blocks/

https://asmaanawar.com/journey_to_my_website/